محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذكره : فإن لم تجدوا ما تتصدقون به أمام مناجاتكم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول : فإن الله ذو عفو عن ذنوبكم إذا تبتم منها ، رحيم بكم أن يعاقبكم عليها بعد التوبة ، وغير مؤاخذكم بمناجاتكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تقدموا بين يدي نجواكم إياه صدقة . القول في تأويل قوله تعالى : أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ . . . تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ . . . خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : أشق عليكم وخشيتم أيها المؤمنون بأن تقدموا بين يدي نجواكم رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات الفاقة ، وأصل الإشفاق في كلام العرب : الخوف والحذر ، ومعناه في هذا الموضع : أخشيتم بتقديم الصدقة الفاقة والفقر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمر ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أَ أَشْفَقْتُمْ قال : شق عليكم تقديم الصدقة ، فقد وضعت عنكم ، وأمروا بمناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير صدقة حين شق عليهم ذلك . حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن شبل بن عباد المكي ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فريضتان واجبتان لا رجعة لأحد فيهما ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الصدقة في النجوى . وقوله : فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يقول تعالى ذكره : فإذ لم تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ، ورزقكم الله التوبة من ترككم ذلك ، فأدوا فرائض الله التي أوجبها عليكم ، ولم يضعها عنكم من الصلاة والزكاة ، وأطيعوا الله ورسوله ، فيما أمركم به ، وفيما نهاكم عنه . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يقول جل ثناؤه : والله ذو خبرة وعلم بأعمالكم ، وهو محصيها عليكم ليجازيكم بها . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً . . . عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ألم تنظر بعين قلبك يا محمد ، فترى إلى القوم الذين . تولوا قوما غضب الله عليهم ، وهم المنافقون تولوا اليهود وناصحوهم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إلى آخر الآية ، قال : هم المنافقون تولوا اليهود وناصحوهم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قال : هم اليهود تولاهم المنافقون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله عز وجل أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ قال : هؤلاء كفرة أهل الكتاب اليهود والذين تولوهم المنافقون تولوا اليهود ، وقرأ قول الله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ حتى بلغ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ لئن كان ذلك لا يفعلون وقال : هؤلاء المنافقون قالوا : لا ندع حلفاءنا وموالينا يكونوا معا لنصرتنا وعزنا ، ومن يدفع عنا نخشى أن تصيبنا دائرة ، فقال الله عز وجل : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ حتى بلغ : فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ وقرأ حتى بلغ : أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ قال : لا يبرزون . قوله : ما هُمْ مِنْكُمْ يقول تعالى ذكره : ما هؤلاء الذين تولوا هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم ، منكم يعني : من أهل دينكم وملتكم ، ولا منهم ولا هم من اليهود الذين غضب الله عليهم ، وإنما وصفهم بذلك منكم جل ثناؤه لأنهم منافقون إذا لقوا اليهود ، قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وقوله وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : ويحلفون على